الغزالي
76
إحياء علوم الدين
من ثمرة العلم إلا أنه يقتدى بنا في الحرص على الدنيا ، والتكالب عليها ، ويقال لو كان هذا مذموما لكان العلماء أحق وأولى باجتنابه منا ، فليتنا كنا كالعوام إذا متنا ماتت معنا ذنوبنا ، فما أعظم الفتنة التي تعرضنا لها لو تفكرنا ، فنسأل الله تعالى أن يصلحنا ويصلح بنا ، ويوفقنا للتوبة قبل أن يتوفانا ، إنه الكريم اللطيف بنا ، المنعم علينا فهذه مجاري أفكار العلماء والصالحين في علم المعاملة . فإن فرغوا منها انقطع التفاتهم عن أنفسهم ، وارتقوا منها إلى التفكر في جلال الله وعظمته ، والتنعم بمشاهدته بعين القلب ولا يتم ذلك إلا بعد الانفكاك من جميع المهلكات ، والاتصاف بجميع المنجيات . وإن ظهر شيء منه قبل ذلك كان مدخولا معلولا ، مكدرا مقطوعا ، وكان ضعيفا كالبرق الخاطف لا يثبت ولا يدوم ، ويكون كالعاشق الذي خلا بمعشوقه ، ولكن تحت ثيابه حيّات وعقارب تلدغه مرة بعد أخرى ، فتنغص عليه لذة المشاهدة ، ولا طريق له في كمال التنعم إلا بإخراج العقارب والحيّات من ثيابه : وهذه الصفات المذمومة عقارب وحيّات ، وهي مؤذيات ومشوشات ، وفي القبر يزيد ألم لدغها على لدغ العقارب والحيّات . فهذا القدر كاف في التنبيه على مجاري فكر العبد في صفات نفسه المحبوبة والمكروهة عند ربه تعالى القسم الثاني : الفكر في جلال الله وعظمته وكبريائه ، وفيه مقامان : المقام الأعلى : الفكر في ذاته وصفاته ومعاني أسمائه . وهذا مما منع منه حيث قيل : تفكروا في خلق الله تعالى ولا تتفكروا في ذات الله . وذلك لأن العقول تتحير فيه ، فلا يطيق مد البصر إليه إلا الصديقون ، ثم لا يطيقون دوام النظر . بل سائر الخلق أحوال أبصارهم بالإضافة إلى جلال الله تعالى كحال بصر الخفاش بالإضافة إلى نور الشمس ، فإنه لا يطيقه البتة ، بل يختفى نهارا ، وإنما يتردد ليلا ينظر في بقية نور الشمس إذا وقع على الأرض . وأحوال الصديقين كحال الإنسان في النظر إلى الشمس ، فإنه يقدر على النظر إليها ولا يطيق دوامه ، ويخشى على بصره لو أدام النظر ، ونظره المختطف إليها يورث العمش ويفرق البصر . وكذلك النظر إلى ذات الله تعالى يورث الحيرة والدهش واضطراب العقل . فالصواب إذا أن لا يتعرض لمجاري الفكر في ذات الله سبحانه وصفاته ، فإن أكثر العقول لا تحتمله بل القدر اليسير الذي صرح به بعض العلماء ، وهو أن الله تعالى مقدس عن المكان ،